الزراعة والموارد

لماذا يغيّر التوسع التعديني في أفريقيا مصير الغابات: تحذير جديد بشأن التعدين والتحول الطاقي والتنمية الإقليمية

استنادًا إلى أحدث أبحاث مجلة 《Nature》، يحلل هذا المقال كيف أن توسع التعدين في إفريقيا جنوب الصحراء لا يؤدي فقط إلى إزالة الغابات المباشرة في مناطق التعدين، بل يسبب أيضًا عبر الطرق والتوسع الزراعي وتوسع التجمعات السكانية خسائر غابية غير مباشرة على نطاق أوسع، كما يناقش الآثار طويلة الأمد لهذا الاتجاه على التحول في مجال الطاقة، والتصنيع، والربط الإقليمي، وتوزيع الاستثمارات المستقبلية.

لماذا تُغيّر توسعات التعدين في أفريقيا مصير الغابات: تحذير جديد بشأن التعدين والتحول في الطاقة والتنمية الإقليمية

تقدّم أحدث دراسة في مجلة Nature تذكيرًا مهمًا لتطوير الموارد في أفريقيا: فآثار التعدين غالبًا ما تتجاوز حدود الحفرة نفسها بكثير.

أجرى فريق البحث تحليلًا مكانيًا وزمنيًا لـ 16,627 تجمعًا لمواقع التعدين في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال الفترة من 2001 إلى 2020، ودمج ذلك مع بيانات تغطية الغابات على مدى 20 عامًا، وقدّر خسارة الغابات على مستويين: الأول هو إزالة الغابات المباشرة الناتجة عن الحفر وأحواض المخلفات وتلال النفايات الصخرية، بنحو 187 ألف هكتار؛ والثاني هو خسارة الغابات الإضافية التي «تُحرَّك» في المناطق المحيطة بالمناجم. وتُظهر الدراسة أنه مقارنة بالمناطق غير المستغلة، ترتفع خسارة الغابات بشكل ملحوظ داخل نطاق كيلومتر واحد من مواقع التعدين، وأن هذا الأثر يستمر لسنوات عديدة حتى على مسافات أبعد.

والأكثر لفتًا للانتباه أن الدراسة وجدت أنه مقابل كل هكتار واحد من إزالة الغابات المباشرة في موقع تعدين، يُحفَّز في المتوسط نحو 34 هكتارًا من خسارة الغابات خارج منطقة التعدين خلال 5 سنوات، وتأتي هذه الخسارة من التوسع الزراعي ونمو المستوطنات وبناء البنية التحتية مثل الطرق المرتبطة بالتعدين. وكانت إزالة الغابات الإضافية الناتجة عن مواقع تعدين النحاس والكوبالت هي الأبرز، وهذان المعدنان من المعادن الأساسية التي يعتمد عليها التحول العالمي في مجال الطاقة بدرجة كبيرة.

وراء توسع التعدين، لماذا تظهر خسائر أوسع نطاقًا في الغابات؟

تكمن الأهمية الحقيقية لهذه الدراسة في أنها تفسر سلسلة التفاعلات بين «التعدين—التنمية—تغيّر استخدام الأراضي».

أولًا، التعدين ليس نشاطًا صناعيًا معزولًا، بل نشاط اقتصادي يعيد تشكيل البنية المكانية. فالمناجم تحتاج إلى طرق، ونقل، وتزويد بالطاقة، ومرافق معالجة، ومناطق سكن العمال، وشبكات خدمات. وما إن تدخل هذه البنية التحتية إلى مناطق الغابات التي كانت سليمة في الأصل، حتى تزيد من سهولة الوصول إليها، وتغيّر أسعار الأراضي واستخداماتها، وتدمج المناطق المهمشة سابقًا في النظام السوقي.

ثانيًا، غالبًا ما يجذب التعدين السكان ورأس المال إلى المنطقة. فالاستيطان المؤقت أو الدائم الذي يتشكل حول مواقع التعدين يجلب معه استصلاح الأراضي الزراعية، وقطع الأخشاب، والخدمات التجارية، وأنشطة اللوجستيات. وبعبارة أخرى، لا يقتصر ما يحفزه التعدين على إنتاج المعادن، بل يدفع أيضًا نحو عملية أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي.

ثالثًا، في سياق التحول في الطاقة، تتسارع وتيرة توسع التعدين. وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية منذ وقت طويل إلى أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة سيرفع بشكل كبير الطلب على المعادن الأساسية مثل النحاس والكوبالت والليثيوم. وبالنسبة إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يعني ذلك أن التعدين لم يعد مجرد قطاع تصدير تقليدي، بل أصبح جزءًا من سلسلة صناعة الطاقة العالمية. وهذا يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا: هل تستطيع أفريقيا المشاركة في سلاسل توريد التحول في الطاقة من دون أن تنقل التكلفة البيئية بشكل مفرط إلى غاباتها ومجتمعاتها المحلية؟

ماذا يعني هذا بالنسبة للتنمية المحلية؟

من منظور التنمية، لا تمثل هذه الظاهرة مجرد مشكلة بيئية، بل أيضًا مسألة تتعلق بالقدرة الإنتاجية وجودة النمو على المدى الطويل.

1. تأثيره في العمالة والاقتصاد المحلي

عادةً ما تجلب مشاريع التعدين وظائف في الإنشاء، والنقل، والخدمات، والأمن، والمعالجة، واللوجستيات.## على التوظيف والاقتصاد المحلي

عادةً ما تجلب مشاريع التعدين وظائف في البناء والنقل والخدمات والأمن والمعالجة والخدمات اللوجستية. وتتمتع هذه الوظائف بجاذبية واقعية في المناطق المعتمدة على الموارد، كما قد تصبح مدخلاً مهماً لتوظيف الشباب. لكن الأبحاث تذكّرنا بأنه إذا حدث توسع غير منظم حول مناطق التعدين، فإن فرص العمل غالباً ما تترافق مع نزاعات على الأراضي، وتنافس على الموارد، وتضخم الاقتصاد غير الرسمي، وقد لا تتحول الدخلات القصيرة الأجل بالضرورة إلى إنتاجية طويلة الأجل.

2. التأثير على أساس التصنيع

غالباً ما يُنظر إلى تطوير المعادن على أنه نقطة انطلاق للتصنيع، لأنه يمكن أن يوفّر المواد الخام للصهر، ومعالجة المواد، وصناعة البطاريات، والتصنيع. لكن إذا لم يترافق توسع التعدين مع تحسين متزامن في الكهرباء والنقل والتخطيط المكاني، فإن سلسلة القيمة تميل إلى البقاء عند مرحلة التصدير الأولية. وبعبارة أخرى، إذا كانت أفريقيا لا تصدّر سوى الخام، ولا تنشئ محلياً قدرة على المعالجة ذات القيمة المضافة الأعلى، فإن عوائد التنمية الناتجة عن استغلال الموارد ستتقلص بدرجة كبيرة.

3. التأثير على البنية التحتية واستخدام الأراضي

إن ما ورد في الدراسات من توسع في الطرق والموانئ والسكك الحديدية والتجمعات السكانية يوضح أن التعدين نفسه يغيّر توزيع البنية التحتية. والسؤال هو: هل تخدم هذه البنية التحتية أهداف التنمية الأوسع، أم أنها تخدم موقع تعدين واحداً فقط؟ إذا استطاعت شبكة الطرق أن تربط لاحقاً مناطق الإنتاج الزراعي والمناطق الصناعية والأسواق الإقليمية، فقد يصبح التعدين ركيزة لممرات تنموية متكاملة؛ أما إذا كانت البنية التحتية لا تُستخدم إلا لإخراج الموارد بسرعة أكبر، فإن أثرها التنموي غير المباشر سيظل محدوداً بوضوح.

4. الأهمية المزدوجة للتحول في مجال الطاقة

يُعد الكوبالت والنحاس من معادن التحول في مجال الطاقة، وهذا يعني أن التعدين الأفريقي بات مرتبطاً بعمق بالطلب العالمي على الطاقة النظيفة. وهنا تظهر مفارقة أساسية: فالعالم يريد مواجهة تغير المناخ عبر نظام طاقة أقل كربوناً، لكن استخراج المعادن الحرجة قد يزيد من خسارة الغابات الاستوائية. والتحدي في المستقبل لا يكمن في ما إذا كان سيتم الاستخراج أم لا، بل في كيفية دفع التعدين بمعايير أعلى بحيث ينسجم فعلاً مع متطلبات “التحول منخفض الكربون” و“حماية الطبيعة” في آن واحد.

التأثير على التنمية الإقليمية: هذه ليست مسألة تخص دولة واحدة فقط

إن التغيرات الغابية المدفوعة بالتعدين تتجاوز عادةً الحدود الإدارية، وتؤثر في أنماط التنمية الإقليمية الأوسع.

1. ستُعاد صياغة الترابط الإقليمي

تحتاج المناجم إلى الطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الكهرباء، وبمجرد إنشاء هذه المرافق فإنها لا تخدم التعدين فقط، بل تصبح أيضاً جزءاً من ممرات التجارة الإقليمية. وتشير الدراسات إلى أن التعدين يدفع بشكل غير مباشر نحو بناء الموانئ والطرق والسكك الحديدية، ما يعني أن مشاريع التعدين قد تصبح “مرتكزاً” لشبكات البنية التحتية الإقليمية. وفي بعض المناطق، قد يساعد هذا الأثر المرتكز على ربط مناطق الموارد الداخلية بالأسواق الساحلية عبر تحسين الخدمات اللوجستية.

2. ستتزايد سلاسل الإمداد والمنافسة العابرة للحدود

إن النحاس والكوبالت وغيرهما من المعادن الحرجة هي أصلاً موارد محورية في سلاسل الإمداد العالمية. ومع تسابق الدول على جذب الاستثمارات التعدينية، ستظهر أيضاً منافسة أشد داخل أفريقيا على الموارد والبنية التحتية والموانئ. وفي المستقبل، فإن الدولة التي تستطيع توفير طاقة أكثر استقراراً، وخدمات لوجستية أكثر كفاءة، وتنظيماً أوضح، وحوكمة بيئية أكثر موثوقية، هي الأرجح أن تحتل موقعاً أفضل في سلسلة إمداد المعادن الإقليمية.### 3. ستتحمل المناطق الواقعة على حافة الزراعة والغابات ضغوطًا

غالبًا ما تؤدي حركة السكان وتطوير الأراضي المدفوعة بالنشاط التعديني إلى التضييق على المساحات الزراعية والبيئية المحيطة. وبالنسبة للمناطق التي تعتمد على موارد الغابات واقتصاد صغار المزارعين، قد يعيد هذا التغير تشكيل بنية سبل العيش المحلية. وإذا كان التخطيط غير كافٍ، فقد تصبح الممرات التعدينية قناةً لتجزئة الأراضي وتدهور البيئة؛ أما إذا كانت الحوكمة محكمة، فقد تصبح أيضًا محورًا تنمويًا جديدًا يربط بين المعادن والتصنيع الزراعي وأسواق المدن.

خلال السنوات الخمس إلى الخمس عشرة المقبلة: إلى أين ستتجه قصة نمو التعدين في أفريقيا؟

الإشارة التي تطلقها هذه الدراسة تتجاوز بكثير مجرد «تراجع الغابات» نفسه. فهي في الواقع تلمح إلى حكم أكبر للمستقبل: إن تنمية الموارد في أفريقيا تدخل مرحلة جديدة يتعين فيها إعادة بناء إطار الحوكمة.

الاحتمال الأول: استمرار توسع التعدين، لكن مع تسرب التكاليف البيئية إلى الخارج

إذا ظلت مشاريع التعدين متمحورة حول الإنتاج قصير الأجل، وكانت تقييمات الأثر البيئي تحسب الحفرة التعدينية نفسها فقط دون إدراج الآثار الخارجية مثل التوسع الزراعي المحيط، وشبكات الطرق، ونمو المستوطنات، فإن خسارة الغابات ستُقلَّل على نحو منهجي. والنتيجة ستكون زيادة الصادرات من الموارد، بالتزامن مع ارتفاع تدهور الأراضي، ونزاعات المجتمعات، والضغط البيئي.

الاحتمال الثاني: يصبح التعدين مدخلًا إلى الارتقاء الصناعي

إذا قامت الحكومات والشركات والمؤسسات المالية بإدماج التعدين ضمن نظام أكثر اكتمالًا للتخطيط المكاني، ودفعها بصورة متكاملة نحو الكهرباء، والنقل، والمعالجة، والمدن، والحوكمة البيئية، فإن التعدين قد يصبح بالفعل نقطة انطلاق مهمة للتصنيع. ولا سيما في مجالي النحاس والكوبالت وغيرهما من المعادن الحيوية، تملك أفريقيا فرصة للانتقال تدريجيًا من مجرد مورّد للمواد الخام إلى موقع أعلى في سلاسل المعالجة والتصنيع.

الاحتمال الثالث: تصبح معايير التعدين الأخضر خطًا فاصلًا للاستثمار

توصي الدراسة بوضوح بأن تُدرج خسائر الغابات خارج مناطق التعدين ضمن تقييم الأثر البيئي للمشاريع التعدينية الجديدة. والمعنى الواقعي لهذه التوصية هو أن رأس المال في المستقبل لن يسأل فقط: «أين توجد المعادن؟»، بل سيسأل أيضًا: «أين يمكن تحقيق سلسلة توريد منخفضة الضرر، قابلة للتتبع، وقابلة للاعتماد؟». وبالنسبة للدول الأفريقية، سيؤثر ذلك مباشرة في اتجاهات الاستثمار خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة: فمن يستطيع تقديم رقابة أقوى، وحوكمة أوضح للأراضي، وإطارًا أكثر موثوقية للتعدين منخفض إزالة الغابات، سيكون الأقدر على جذب استثمارات عالية الجودة.

الخاتمة

لا تقتصر هذه الدراسة على قياس خسارة الغابات فحسب، بل تبدو أيضًا كتنبيه لنموذج النمو القائم على الموارد في أفريقيا: فالتنافس المستقبلي في قطاع التعدين لن يكون مجرد تنافس في الكمية، أو الجودة، أو تكاليف الشحن، بل سيكون تنافسًا في القدرة التنموية، والحوكمة المكانية، ومعايير سلاسل التوريد.

إذا استطاعت أفريقيا أن تضع التعدين، والبنية التحتية، والتحول الطاقي، والربط الإقليمي ضمن خريطة تنموية واحدة، فستتاح للموارد المعدنية فرصة التحول من «ثروة للتصدير» إلى «ركيزة للتصنيع». وعلى العكس، إذا استمر التوسع التعديني على حساب التكاليف البيئية الخارجية، فقد تؤدي الوفرة في الموارد إلى تقويض أساس النمو طويل الأجل.بهذا المعنى، تمثل هذه الواقعة بالفعل تحولًا مهمًا في مسار التنمية الطويل الأجل في أفريقيا: فهي تحوّل سؤال «كيف نستخراج الموارد» إلى قضية أوسع تتمثل في «كيف نستخدم الموارد لدفع عجلة التحديث». كما أنها قد تصبح، على الأرجح، إحدى المحطات المفصلية في قصة نمو أفريقيا خلال العقد المقبل — شريطة أن تتمكن أفريقيا من إقامة توازن تنموي قابل للتنفيذ فعليًا بين التحول الطاقي وحماية الغابات.

ملاحظة مصادر محلية · africadevnews

تضع africadevnews هذه الملاحظة ضمن موجز إفريقيا / السياسات والسجل العام / موجز يومي. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ موجز إفريقيا / السياسات والسجل العام / موجز يومي يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.

Source links

  1. https://www.nature.com/articles/s41586-026-10551-2Primary

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة